الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
189
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بَعَثَ مجرور القي ولا على الضمير في قوله : مِنْهُمْ كذلك . فهو إما معطوف على الضمير في عَلَيْهِمْ من قوله : يَتْلُوا عَلَيْهِمْ [ الجمعة : 2 ] والتقدير : ويتلو على آخرين وإذا كان يتلو عليهم فقد علم أنه مرسل إليهم لأن تلاوة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لا تكون إلا تلاوة تبليغ لما أوحي به إليه . وإما أن يجعل وَآخَرِينَ مفعولا معه . والواو للمعية ويتنازعه الأفعال الثلاثة وهي « يَتْلُوا ويزكي ، ويعلم » . والتقدير : يتلو على الأميين آياتنا ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة مع آخرين . وجملة وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ الجمعة : 2 ] معترضة بين المعطوف والمعطوف عليها أو بين الضمائر والمفعول معه و آخَرِينَ : جمع آخر وهو المغاير في وصف مما دل عليه السياق . وإذ قد جعل آخَرِينَ هنا مقابلا للأميين كان مرادا به آخرون غير الأميين ، أي من غير العرب المعنيين بالأميين . فلو حملنا المغايرة على المغايرة بالزمان أو المكان ، أي مغايرين للذين بعث فيهم الرسول ، وجعلنا قوله : مِنْهُمْ بمعنى أنهم من الأميين ، وقلنا : أريد وآخرين من العرب غير الذين كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم فيهم ، أي عربا آخرين غير أهل مكة ، وهم بقية قبائل العرب ناكده ما روى البخاري ومسلم والترمذي يزيد آخرهم على الأوّلين عن أبي هريرة قال : كنّا جلوسا عند النبي صلى اللّه عليه وسلّم فأنزلت عليه سورة الجمعة فتلاها فلما بلغ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال له رجل : من هم يا رسول اللّه ؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثا ، وفينا سلمان الفارسي ووضع رسول اللّه يده على سلمان وقال : لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء ؟ وهذا وارد مورد التفسير لقوله تعالى : وَآخَرِينَ . والذي يلوح أنه تفسير بالجزئي على وجه المثال ليفيد أن آخَرِينَ صادق على أمم كثيرة منها أمة فارس ، وأما شموله لقبائل العرب فهو بالأولى لأنهم مما شملهم لفظ الأميين . ثم بنا أن ننظر إلى تأويل قوله تعالى : مِنْهُمْ . فلنا أن نجعل ( من ) تبعيضية كما هو المتبادر من معانيها فنجعل الضمير المجرور ب ( من ) عائدا إلى ما عاد إليه ضمير كانُوا من قوله : وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ الجمعة : 2 ] ، فالمعنى : وآخرين من الضّالين يتلو عليهم آيات اللّه ويزكيهم الكتاب والحكمة ولنا أن نجعل ( من ) اتصالية كالتي